تفسير الاية الثانية من سورة النساء , سورة النساء
هلا صبايا موضوعنا اليوم عن



تفسير الاية الثانية من سورة النساء


قال الله تعالى: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا *}} [النساء: 2] .



{ {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } { {وَآتُوا} }، بمعنى: أعطوا، وأتوا بمعنى: جاءوا، وقوله: { {الْيَتَامَى} } مفعول أول، و{ {الْيَتَامَى} } مفعول ثانٍ، وهذا الفعل «آتوا» ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
و{ {الْيَتَامَى} } جمع يتيم، وهو مأخوذ من اليتم، وهو الانفراد، والمراد به اصطلاحاً: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ، سواء كان ذكراً أو أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يتمه بحسب الاصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: «لا يتم بعد احتلام» [(5)] أي: بعد البلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه.
وقوله: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أي: أموالهم التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء، أو لم تكن عندكم، ولكن أخذتموها بغير حق، وقوله: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أي: فلا تخونوا منها شيئاً، ولا تكتموا منها شيئاً، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت، ولا يلزم من قوله تعالى: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يعطى ماله إلا إذا اختبر، كما قال الله تعالى: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 6] .
وهناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد، لقوله تعالى: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} }، وإما إيتاء المال، فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملاً عند وجوب الدفع.
وقوله : { {ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} } أي: لا تأخذوا الخبيث بدلاً عن الطيب.
والمعنى : أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله الطيب، وقيل: معناها: لا تأخذوا أموالهم وتستغنوا بها عن الطيب؛ لأن أخذ أموالهم حرام، والحرام خبيث. ففيها وجهان:
الوجه الأول : أن لا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث، ومثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم الطيب ويعطيه الرديء، فإن هذا حرام، أو يكون عنده بر طيب نقي، فيأخذه ويعطيه براً رديئاً مخلوطاً.. وما أشبه ذلك.
فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث.
الوجه الثاني : لا تأخذوا من أموالهم شيئاً؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال.
وكلا الأمرين محرم، سواء أخذ ماله بدون أن يعطيه عنه شيئاً، أو أخذ ماله الطيب وأعطاه عنه مالاً رديئاً.
وقوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } قال العلماء: إن { {إِلَى} } بمعنى «مع»؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وقيل: بل إن { {إِلَى} } على بابها، ولكن قوله: { لاَ تَأْكُلُوا } ضمنت معنى «تضموا»؛ أي: لا تضموا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا المعنى أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان «إلى» بمعنى «مع» قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، وهذا من قواعد التفسير: «أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل»؛ لأنها إذا كانت هي الكثيرة في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن، وهي حقيقة القرآن.
والفائدة من تخصيص ذكر الأكل فقط؛ لأنه أكثر ما يكون، وأعم ما يكون من الانتفاعات، ولأنه هو الذي ينتفع به البدن انتفاعاً مباشراً، فإن اللباس ينتفع به لكن من الخارج، ولهذا فإن الآيات كلها تعبر في الغالب بالأكل.. { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا}} [النساء: 10] .. { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}} [آل عمران: 130] ، وما أشبه ذلك.
وقوله: { {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} }، الضمير في قوله: { {إِنَّهُ} } يعود على الفعل المفهوم مما سبق المكون من شيئين: تبديل الخبيث بالطيب، وأكل الأموال إلى أموالنا، وقوله: { {إِنَّهُ} } أي: هذا الفعل.
وقوله: { {كَانَ} } أي: كان عند الله { {حُوبًا} } أي: إثماً أو ذنباً، { {كَبِيرًا} } الكبير ضد الصغير؛ لأن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، فهذا من الذنب الكبير.
وقد قال بعض العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}} [البقرة: 220] .
وهذا خطأ عظيم؛ لأن قوله: { {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} } ليس هو الأكل الذي نهى الله عنه هنا حتى نقول: إن بين الآيتين تعارضاً، فالله تعالى يقول: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } أي: لا تخلطوها لأجل أن تأكلوها، أما إذا خلطها للإصلاح أو لمصلحة، فإن هذا لا بأس به، لكن بعض العلماء ـ عفا الله عنا وعنهم ـ إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: إن هذا منسوخ، وأقول: إذا عجزوا؛ لأنه قد لا يكون بين النصين تعارض، فقد يكون كل نص محمولاً على معنى، وهذه مسألة خطيرة جداً؛ لأن معنى النسخ إنكار المنسوخ، وعدم جعله حكماً شرعياً، فالمسألة خطيرة، ولهذا لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الجمع أبداً.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ بيان رحمة الله عزّ وجل، حيث أوصى بهؤلاء اليتامى؛ لأن اليتيم محل الرحمة، فهو مكسور الخاطر، ليس له أب، وربما لا تكون له أم أيضاً، فلهذا أوصى الله بالعناية به وبماله.
2 ـ وجوب حفظ أموال اليتامى؛ لأنه يلزم من إيتائهم أموالهم الحفظ، إذ لو فرّط الولي وأهمل وضاعت الأموال؛ لم يكن قد آتاهم أموالهم.
3 ـ أن اليتيم يملك، وملكه تام، لقوله تعالى: { {أَمْوَالَهُمْ} }، ويتفرع على هذه الفائدة: أن الزكاة واجبة عليه؛ لأن الزكاة تبع للملك، قال الله تعالى: { {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} [التوبة: 103] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم»[(6)]، فإذا ثبتت الملكية ثبت وجوب الزكاة.
وفي هذا رد على قول بعض أهل العلم القائلين بأنه لا تجب الزكاة في أموال اليتامى؛ لأن اليتيم صغير غير مكلف، فنقول في الجواب عن هذا: إن الزكاة ليست تكليفاً محضاً، بل هي تكليف لحق الغير، وهم الفقراء، فهي شبيهة بالدين؛ ولهذا وجبت في أموال اليتامى والمجانين وإن كانوا غير مكلفين.
4 ـ أن اليتيم تجب النفقة في ماله على من تجب عليه نفقته، وتؤخذ من إثبات المالية، والنفقة واجبة على كل غني لكل فقير، فإذا تمت شروط النفقة ولم يبق إلا البلوغ قلنا: إن البلوغ ليس بشرط؛ لأن الله أثبت المالية لليتامى، وإذا ثبتت المالية؛ ترتب عليها ما يترتب على ذوي الأموال.
5 ـ وجوب أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: { {ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} }.
6 ـ أن إطلاق اسم الخبيث على الرديء صحيح، على أحد الوجهين في
تفسير الآية، وقد صرح الله عزّ وجل بأن الرديء يسمى خبيثاً، فقال: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}} [البقرة: 267] ، فسمى الرديء خبيثاً، وأطلق النبي صلّى الله عليه وسلّم على البصل ونحوه وصف الخبيث، فقال: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد» فقال الناس: حُرمت، حُرمت فبلغ ذاك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها»[(7)].
7 ـ تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان لقصد إتلافه، وهذا مأخوذ من قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، أما إذا ضم ماله إلى ماله لا لقصد الأكل والإتلاف، ولكن لقصد الحفظ والتجارة، فإن هذا لا بأس به، بل قد يتعين على الإنسان، فإذا ضم مال اليتيم إلى ماله لقصد الحفظ، أو لقصد التجارة، فإنه إحسان إليه، ولا يدخل في النهي؛ لأن الله تعالى قال: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، ولم يقل: لا تخلطوها، ولهذا قال الله تعالى في
سورة البقرة: { {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}} [البقرة: 220] .
لكن في حال ضم المال إلى المال لقصد الحفظ أو التكسب، يجب أن يحتاط الإنسان في كتابة مال اليتيم الذي أدخله مع ماله، وتمام الاحتياط أن يُشهد على ذلك، فيقول مثلاً: أدخلت كذا وكذا من مال اليتيم ضمن مالي الذي اشتريت به الأرض، أو اشتريت به السيارات، وما أشبه ذلك مما يتكسب به.




8 ـ أن العدوان على مال الأيتام بأخذ الطيب وإعطاء الخبيث، أو أكل مالهم، من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: { {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} }.
فإن قال قائل: لماذا قال تعالى: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، ولم يقتصر على قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ} }؟
فالجواب: أنه لو قال: «ولا تأكلوا أموالهم إنه كان حوباً كبيراً» لكفى، ولكنه قال: { {أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }؛ لأن ولي اليتيم قد يتستر ويدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد، فلهذا قال: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، وعلى هذا فليس قوله: { {إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } قيداً، بحيث نقول: لو أكل ماله من غير أن يضمه إلى ماله فهو جائز! بل نقول: إنما ذكر الله هذا لأن بعض الأولياء يتستر فيدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد.
مسألة : إذا ضَم مال اليتيم إلى ماله فخسر ماله، فهل يضمن لليتيم أم لا؟
نقول: إذا كان حين فعله يعتقد أن هذا هو الأصلح، ولكن اختلفت الأمور، فليس عليه شيء، لا إثم ولا ضمان؛ لأن الله يقول: { {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وهذه قاعدة: «أن كل إنسان له ولاية في التصرف حتى لو تبين خطؤه فلا ضمان عليه، فضلاً عن أن تأتي الأمور بغير اختياره، وبغير ما يتوقع».